مقدمة
يعد “التوحد” Autism من أكثر الاضطرابات النمائية صعوبة بالنسبة للطفل نفسه، ووالديه، وأفراد أسرته الذين يعيشون معه. وتعود كلمة “التوحد” إلى أصل إغريقي هي كلمة ” أوتوس” Autos وتعني الذات، وتعبر في مجملها عن حال من الاضطراب النمائي الذي يصيب الأطفال ، ويعتبر إعاقة أو صعوبة تؤثر في عملية التواصل والتفاعل لشخص ما مع الآخرين. ويعتبر متلازمة من عدد المظاهر السلوكية والنمائية، لابد أن تتوافر لدى الطفل ليتم تشخيصه. وتتمثل المعالم الرئيسية للتوحد في اضطراب ثلاثة مجالات أساسية هي: التفاعل الاجتماعي، التواصل، اللعب والسلوك
) التكراري، النمطي، المقيد)، أنماط من السلوك، الاهتمامات، والأنشطة.
وينظر لاضطراب التوحد منذ عام( 1990م) طبقاً لقانون تعليم الأفراد ذوي الإعاقات على إنه اضطراب منفصل، ويتطلب تشخيصه تقييم حالة الطفل من قبل فريق متعدد التخصصات يضم أخصائي أعصاب وأخصائي نفسي وطبيب نفسي وطبيب أطفال وأخصائي لغة وكلام وأخصائي مهني وأخصائي تعليمي.
الخلفية العلمية والتاريخية عن الدليل التشخيصى والاحصائى للجمعية الامريكية للطب النفسى
يمثل الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات الذهنيةDiagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders(DSM) والذي تصدره جمعية الطب النفسي الأمريكيةAmerican Psychiatric Association
المرجع الأول في العالم في تصنيف الأمراض الذهنية والنفسية والتواصلية، حيث يتم استخدامه في جميع أنحاء العالم من قبل الاطباء والباحثين، فضلا عن شركات التأمين وشركات الادوية وصانعي السياسات، والذي تم نشره لاول مرة في عام 1952، ويتم تعديله أو تنقيحه أو اصدار نسخة جديدة منه كل عشرة سنوات تقريباً اعتماداً على ما يستجد من دراسات وابحاث.
ولقد حظي اضطراب التوحد كغيره من الاضطرابات بنصيب كبير في هذا الدليل على مدى سنوات اصداره من التعديل والتنقيح والاضافة، وفي عام 1977أقرت منظمة الصحة العالمية ولأول مرة اعتبار اضطراب التوحد فئة تشخيصية، وفي عام 1980 صنف التوحد ضمن الاضطرابات الانفعالية الشديدة، وفي نفس العام قامت الجمعية الأمريكية للطب النفسي بإصدار الدليل الإحصائي التشخيصي الثالث للاضطرابات الذهنية حيث تبنت فيه الأعراض الثلاثة الرئيسية المميزة لاضطراب التوحد التي ذكرها روترفي عام 1978 وهي إعاقة في العلاقات الاجتماعيـة، وتأخر في النمو اللغوي، وسلوك استحواذي أو إصرار على التماثل،ومنذ تلك السنوات قطع الباحثون شوطاً كبيراً في مجال البحث والدراسات والتعرف على الأسباب التي لازال يعتريها الغموض والبحث عن سبل التشخيص الدقيق، لما لذلك من أهمية في تحديد البرنامج العلاجي المناسب للطفل والاسرة.
وفي عام 1994 اصدرت الجمعية الأمريكية للطب النفسي الدليل الإحصائي التشخيصي الرابع والذي تم اجراء بعض التعديلات عليه باصدار جديد ومنقح عام 2000 اطلقت عليه الجمعية الأمريكية للطب النفسي الدليل الإحصائي التشخيصي الرابع المعدل والذي لم تكن فيه اختلافات جوهرية فيما يخص اضطراب التوحد عدا فيما يخص الاعاقة النمائية غير المحددة. وقد أشارت رابطة الطب النفسي الأمريكية في الدليل التشخيصي الإحصائي الثالث والرابع والرابع المعدل إلى أن التوحد يصنف تحت مسمى الاضطرابات النمائية المعقدة، هذا الاتجاه له الكثير من المؤيدين من العلماء والباحثين.
وفي هذه العام 2013 وتحديداً في شهر مايو أصدرت الجمعية الامريكية للطب النفسي الدليل الاحصائي التشخيصي الخامس DSM5 والذي احتوى على تعديلات جوهرية في تشخيص التوحد قد تسهم الى حد ما في توضيح ابعاد هذا الاضطراب من ناحية وقد تخلق صعوبات تشخيصية للمختصين وأولياء الامور من ناحية أخرى، وقد شملت هذه التغيرات اولاً على الاكتفاء بمصطلح اضطراب طيف التوحد وإلغاء التصنيفات السابقة والمذكورة في الدليل الإحصائي التشخيصي الرابع والرابع المعدل وهي (اضطراب التوحد، ومتلازمة اسبرجر، ومتلازمة رت، واضطراب الطفولة التراجعي، والاعاقة النمائية غير المحددة)، وذلك لانه جميع هذه الاضطرابات تشترك بأعراض اساسية واحدة ولكن بدرجة متفاوتة من الشدة، وبناءً على ذلك إرتأت الجمعية الأمريكية للطب النفسي اعتبارها اضطراب واحد بطيف واسع تحدده مستويات الشدة.
كما اشتملت التغيرات على إلغاء مصطلح الاضطرابات النمائية الشاملة أو المتداخلة السابقة الذكر وتضمين المصطلح الجديد في الاضطرابات النمائية العصبية، وجميعها تحمل مسمى تشخيصي واحد وهو اضطراب طيف التوحدAutism Spectrum Disorder باستثناء متلازمة رت والتي تم فصلها عن الاضطرابات النمائية العصبية باعتبارها اضطراب جيني، فضمت القائمة الجديدة للاضطرابات النمائية العصبية الاعاقات التالية: الاعاقات الذهنية (اضطراب نمائي ذهني) واضطرابات تواصل (اضطرابات لغة، اضطرابات كلام، اضطرابات طلاقة، واضطراب التواصل الاجتماعي وأضطراب فرط الحركة وقلة التركيز واضطراب التعلم المحدد واضطراب طيف التوحد والاضطرابات الحركية (مثل اضطراب التآزر الحركي واضطراب العرات).
تم فصل متلازمة رت عن اضطراب طيف التوحد على اعتبار ان سلوكات اضطراب طيف التوحد ليست بارزة بشكل خاص في المرضى الذين يعانون من متلازمة رت باستثناء فترة وجيزة أثناء التطوير، وعادة ما يتم تشخيص اضطراب طيف التوحد من خلال المظاهر السلوكية وليس المسببات لذا كان من الطبيعي فصل متلازمة رت، والمرضى الذين يعانون من متلازمة رت والذين لديهم بعض أعراض التوحد يمكن وصفهم بانهم يعانون من اضطراب طيف التوحد، وهنا ينبغي على الأطباء والاخصائيين النفسيين استخدام محدد وراثيأ وطبي للإشارة للأعراض المرتبطة بمتلازمة رت.
ما تم دمج معايير تشخيص اضطرابات طيف التوحد والاكتفاء بمعيارين جديدين فقط هما المعيار الاول معيار التواصل الاجتماعي والتفاعل والمتمثل بعجز واضح في التواصل والتفاعل الاجتماعي في سياقات متعددة، يظهر في الفترة الحالية للتشخيص او فترات سابقة في مراحل تطورية سابقة،والمعيار الثاني هو معيار محدودية الأنشطة والسلوكات النمطية والمتمثلة بسلوك نمطي ومتكرر ومحدودية في الاهتمامات والنشاطات.
وعوضا عن التصنيفات سابقة الذكر في الاعاقات النمائية الشاملة او المتداخلة تم اضافة شدة الاعاقة بثلاث مستويات المستوى الاول والمستوى الثاني والمستوى الثالث متدرجة من البسيط الى المتوسطة ومن ثم الشديد.